الشيخ محمد رشيد رضا
77
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
قالوا وقد قال اللّه تعالى « إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً * لِلطَّاغِينَ مَآباً * لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً * إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً * جَزاءً وِفاقاً * إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً * وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً » فهذا صريح في وعيد الكفار المكذبين بآياته . ولا يقدر الأبدي بمدة الأحقاب ولا غيرها كما لا يقدر به القديم . ولهذا قال عبد اللّه بن عمرو فيما رواه شعبة عن أبي بلج سمع عمرو بن ميمون يحدث عنه : ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقابا فصل والذين قطعوا بدوام النار لهم ست طرق أحدها - اعتقاد الاجماع فكثير من الناس يعتقدون أن هذا مجمع عليه بين الصحابة والتابعين لا يختلفون فيه وأن الاختلاف فيه حادث وهو من أقوال أهل البدع الطريق الثاني - أن الآن دل على ذلك دلالة قطعية فإنه سبحانه أخبر أنه عذاب مقيم ، وأنه لا يفتر عنهم ، وأنه لن يزيدهم إلا عذابا ، وأنهم خالدون فيها أبدا وما هم بخارجين من النار ، وما هم منها بمخرجين ، وأن اللّه حرم الجنة على الكافرين وأنهم لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ، وأنهم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها ، وأن عذابها كان غراما ، أي مقيما لازما ، قالوا وهذا يفيد القطع بدوامه واستمراره الطريق الثالث - أن السنة المستفيضة أخبرت بخروج من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان دون الكفار وأحاديث الشفاعة من أولها إلى آخرها صريحة في خروج عصاة الموحدين من النار وأن هذا حكم مختص بهم فلو خرج الكفار منها لكانوا بمنزلتهم ولم يختص الخروج بأهل الايمان الطريق الرابع - أن الرسول وقفنا على ذلك وعلمناه من دينه بالضرورة من غير حاجة بنا إلى نقل معين كما علمنا من دينه دوام الجنة وعدم فنائها الطريق الخامس - أن عقائد السلف وأهل السنة مصرحة بأن الجنة والنار مخلوقتان وأنهما لا تفنيان بل هما دائمتان وانما يذكرون فناءهما عن أهل البدع الطريق السادس - أن العقل يقضي بخلود الكفار في النار . وهذا مبني على قاعدة وهي أن المعاد وثواب النفوس المطيعة وعقوبة النفوس الفاجرة هل هو مما يعلم بالعقل أو لا يعلم إلا بالسمع ؟ فيه طريقتان لنظار المسلمين ، وكثير منهم يذهب إلى أن ذلك يعلم بالعقل مع السمع كما دل عليه الآن في غير موضع